الأربعاء، 17 أبريل 2019
صاحبة الظلّ المحني_ قصّة قصيرة للقاصّ المصري: محمد سرور
صاحبة الظل المحني
كنت قد اعتدت, منذ فترة, كلما وجدتني وحيدًا, أن أبحث عن أي شعاع نور وأطارد ظلي، أراقصه أحيانًا أو أدعوه لكأس، أفتح معه حديثًا طويلًا، أحكي له أسراري ويخبرني هو عن حكايات سرية, لأشخاص آخرين, سمعها من ظلالهم, في اجتماعهم الليلي, بعدما يخلد أصحابهم للنوم. تُضحكني بعض تلك الحكايات, وتحزنني أكثرها؛ فمثلًا قصة «صاحبة الظل المحني» التي تسكن في البيت المقابل تحزنني كثيرًا.
ذات صباح، وحيدًا كالمعتاد, دعوت ظلي لرقصة قصيرة. أدرتُ الموسيقى ووقفت أنتظر. جاء سريعًا ولم يتأخر. ظلي خفيف ونحيف, مثلي تمامًا. يرقص بخفة ورشاقة, لا أستطيع مجاراته فيها. يقوم - وهو يرقص - بحركات مجنونة قليلًا, تبعث في نفسي السرور. في وسط وصلة الرقص الضاحك هذه رأيتُها, تقف في الشُّرفة المقابلة, شريدة وتنظر إلى الفراغ بحزن، جميلة رغم عبوسها، في العشرين، أو قد تزداد عامًا أو اثنين.. رأيتها تنظر إلى ساعتها بقلق, قبل أن تدخل وتدير ظهرها للشُّرفة. تركت ظلي يرتاح واتجهت إلى الشرفة أراقبها. كانت تحدِّث شخصًا يقف أمامها بحدة, فهمت هذا من حركات يديها وإشارتها المتكررة لساعة يدها. ابتعدت عن مجال الرؤية فرأيته هو, ظِل رجل عجوز, محني الظهر, رأسه منكَّس لأسفل. رأيتها تمد يدها إليه, فتلقَّفتْها يدُه المرتعشة, ويده الأخرى أحاطت بخصرها, وبدآ يرقصان ببطء. هي خفيفة, والعجوز يشل حركتها.. شعرت بالحزن في تلك اللحظة, فتاة جميلة, مع ظل عجوز محني الظهر, ورقصة رديئة.
فمهت أنها وحيدة مثلي, تراقص ظلها. ولكن لم أفهم لِمَ ظلها عجوز محني الظهر بهذا الشكل. ربما ظل والدها, رحل ولم يترك لها سوى ظله. لم أجد تفسيرًا مقبولًا. دفعني الفضول إلى مراقبتها يوميًّا. كل صباح, بعد الرقص أو الكأس, أدع ظلي يستريح وأجري إلى الشرفة. أنتظر رقصتها الحزينة مع العجوز, وأحيانًا أخرى قليلة, كانت تفتح حديثًا معه. حتى الحديث كان يبدو - من بعيد - فاترًا, أو من طرف واحد.
قررت أن أثير انتباهها إليَّ, لم أفهم السبب الذي دفعني لهذا, لكني شعرت بنوع من الشفقة تجاهها. أنا مثلها, الوحدة تمزِّقني, ولكن على الأقل ظلي يرقص جيدًا, كما أنه يجيد فتح أحاديث وحكي حكايات شائقة.
حاولتُ أن أشير لها بيدي من الشرفة, كلما اتجه نظرها ناحيتي تجاهلتني أو لم تنتبه إليَّ, لا أعرف. لم أستسلم, كنت مدفوعًا برغبة أجهل مصدرها. سألت ظلي في أحد الصباحات: «هل تعرف ذلك الظل العجوز؟». أجاب: «أراه أحيانًا في اجتماعاتنا الليلية. يجلس وحده, لا يشاركنا الأحاديث, كما أنه لا يستجيب لمحاولاتنا في فتح أي موضوع. يجلس في ركن بعيد, يقرأ كتابًا أو يراقبنا في صمت. ظل غريب, لا أحد يحبه, على الرغم من أن الكثير يشفق عليه».
قررتُ أن أكتب رسالة, وأرسلها مع ظلي, ليسلِّمها للعجوز. حاولت أن تكون رسالة قصيرة, مقتضبة, تُظهر اهتمامًا من دون أن يخيفها, حتى لا تظن الجميلة أن هناك عيونًا كثيرة تراقبها. فردتُ ورقةً أمامي, وكتبت: «أرى أنكِ تجيدين الرقص, على العكس من ظلك, الذي لا أدري لِمَ هو عجوز هكذا!». ووقَّعتُ باسم «الشرفة المقابلة». سلمت الرسالة لظلي, وأوصيته, حتى إن لم يجد ظل العجوز الليلة, يبحث عنه حتى يجده. الأمر ضروري, ألححت عليه.
في الصباح التالي, انتظرت في قلق, بعدما أخبرني ظلي أنه سلَّمها للعجوز ليلة أمس, بعد رحلة بحث طويلة, قضاها وهو يجوب الأزقة والحواري, حتى وجده, تحت عود إنارة قديم, يقرأ كتابًا عن التاريخ, وتنحدر من عينه دمعة, على صفحةٍ طواها من الكتاب.
رأيت العجوز وهو يسلِّمها الرسالة, ويشير إلى شرفتي. تسلَّمتْها هي بدهشة وهي تنظر باتجاه أصابع العجوز. ابتسمَتْ وهي تقرؤها, أول مرة أراها تبتسم, حلوة هي, ورسالتي زادت من حلاوتها. غابت عن نظري قليلًا, قبل أن تعود وفي يدها ورقة وقلم. كتبت رسالة وسلَّمتْها للعجوز, ورأيتها تشير لي تجاه العجوز. لا أعلم لِمَ لَمْ تقذف لي بالرسالة مباشرةً من الشرفة, لِمَ عليَّ أن أنتظر حتى يجتمع العجوز بظلي, ويسلِّمها لي. لِمَ تلك الدائرة كلها؟
انتظرت على مضض, حتى جاءني الرد في المساء, أخبرت ظلي ألا ينتظر للصباح, سَرَت رجفة قوية بجسدي مع كلماتها: «أنت تعلم, ربما أكثر مني, أننا نعيش في مدينة ضبابية, مطموسة الملامح والهوية, الظلام يزحف كالثعبان إلى كل ركن مضيء, يلتف حوله حتى يبتلعه, يتمدد على حوائط بيوتنا. كل يوم, أرى الحوائط تزداد ظلمة, يتغيَّر لونها, حتى نسيت لونها الأصلي. مصابيح أعمدة الإنارة منكسرة في الشوارع, الذباب يحوم حول كل شيء, الأشجار باتت عششًا للخفافيش, الجرذان تشاركنا الطعام. كيف يمكن إذًا لظل أن يحيا خفيفًا وسط هذه الأجواء كلها؟ ما الدافع لخفته وفرحه؟».
احترتُ في الرد, هل أشاركها حزنها وأنغمس معها في ظلمتها, أم أحاول أن أسرِّي عنها، ربما برقصة حقيقية مع ظل خفيف ورشيق؟! قررت أن أبعث لها بعض الكلمات الخفيفة المبهجة, مع ظلي، ويدعوها لرقصة. كان ظلي يشرب بمهل كأسه, بوجه شاحب, على غير عادته, عندما أخبرته بالأمر. يرفع الكأس بضعف, حتى تكاد تسقط منه, كما أنه– ظلي - يبدو كالمريض. حدة ظله خفتت قليلًا. كما أن الظلال المتناثرة التي كانت تمثل شعره تقلَّصت, وكأن شعره تساقط. سألته ما به. أجاب بأنه لا يعرف، شيء ما يخنق روحه, عضلاته لا يشعر بها, يتحرك ثم تتحرك بعده سحب الظلال الداكنة, وكأنه يسحبها سحبًا معه. قال إنه سيحاول التغلُّب على تعبه, وسيفعل ما في وسعه لإسعاد الجميلة. رأيته وهو يتحرك تجاهها بوهن, يصل إليها, يهمس لها بكلمات رقيقة, تبتسم برقَّة, تمد يدها, يتلقَّفها هو في جهد واضح, يرقص والظلال الداكنة حوله تتبعه كظله. زاد من سرعة خطواته, وكانت هي خفيفة, مثلما كان هو, أو ربما أخف. عندما تركت قدميها للرقص, انطلقت ترقص برشاقة, تسحب يد ظلي في سرعة, تستند عليه وتدور حوله وجسدها مرفوع في الهواء. رأيت بعض الظلال تنسحب من ظلي, وهو يرقص وتصعد لأعلى, لتختفي في الهواء. أخذ ظلي يتقلَّص, مع زيادة وتيرة الموسيقى والرقص, حتى إنها عندما توقفت الموسيقى, كان ظلي قد اختفى تمامًا, وسقطت هي أرضًا.
هذا الصباح, أفقتُ على وحدةٍ تمزِّقني. دعوت ظلي لكأس كالمعتاد, لم يأتِ. نظرتُ من الشرفة, وجدتها تقف وحدها, تنظر إليَّ بوجهٍ حزين, ظلها لم يأتِ أيضًا. حينها فقط أدركتُ أن العتمة أصابت مدينتنا, تمامًا.
( لنا مابقي من الحقول ) للشاعرة المغربية زكية المرموق
زكية المرموق . المغرب
( لنا ما بقي من الحقول )
وأنت تشعل تنورك بالذكريات
لاتنس أن الحطب
دمك...
وأنت تطعم ظلك للرمل
لا تنس أن تترك عظامك
جسراً للعابرين
تتحول إلى زاحف..
أيها المشاء
لا تتخلص من ثيابك
قبل أن تأخذك يد" الكناوي"
Gnaoui
إلى مكان اللقاء
القلنسوة شاهدة قبر
وأنت حريق ورذاذ
واحتفظ بخريطة في جيبك
كي لا تنسى طريق العودة
تتحول إلى نصف إله...
وأنت تدخل العاصفة
برجلك اليمنى
لا تنس رجلك اليسرى في كم السؤال
الجواب أعرج
ولا تكتف بوصف تضاريس
الخسارات
كما الرواة
اللغة ورطة وانتماء.
مثل بوهيمي يتسلق الحياة
بعدة الموت
عبر الأتوستوب
أتبع أثراً لا أين له
فأتعثر بظلي
والظل امرأة على حبل
في سيرك الفكرة
امرأة تلقي ملابسها
قطعة
قطعة
بمهارة ستريبتيز
Streeptease
والجمهور نصّ دخل الفرن
ولم يخرج بعد...
أيها الرائي
حينما يكون الجسد أطول من النص
اكسر الإنارة
بعض الضوء ستار
ودخن سيجارة ماريخوانا
ثم ادخل منطقة حظر التجول
هناك
هناك فقط ستخرج من ثلاجة الحواس
وتراك
للألم وجه اللذة
حينما تتخلص من الماكياج...
أيها الحب
المدينة الفاضلة
فاصل في إشهار
فلنختبئ في غرفة المجاز
للحقيقة قمحها
ولنا ما بقي في الحقول
بعد مرور الجراد
أيها العالم
من يقترب من المطر
بنوايا الشمس
يتحول إلى ناي
الجغرافيا
أم تبيع أطفالها على الرصيف
والتاريخ نخاس قديم...
الثلاثاء، 16 أبريل 2019
إلى غائبي. الشاعرة السورية هدى بلال
هدى بلال . سوريا
( إلى غائبي )
أنت كل الأشياء الجميلة
وأنت سر العذاب
دعني أهجئ أحرفك القليلة
وأغرق بين السطور، وصفحات الكتاب
يامن تمنيت حضورك
تآكل العمر في دروب الغياب
لاتذرني أرقب الغيث وحدي
وأصادق البرق والرعد والسحاب
تبلل القلب من غمائم الحزن
وغطى الأرض والجدران والثياب
أيا سيدي ماذا جنيت؟
لألقى الهجر كأقسى عقاب
كأسرى الحرب وحدي
في غياهب الوهم والريح والسراب
هي مطايا الصمت تقبل
كزوارق تشق العباب
هي مطايا القهرتقبل
وتقفل خلفها النوافذ والأبواب.
( جليدٌ قُطْبي ) للشاعرة التونسية فاطمة محمود سعد الله
فاطمة محمود سعدالله . تونس
جليدٌ قُطْبي
في مكانٍ ما..من صحرائي
زرعْتُ بذْرةَ حُلْمٍ..
أكثرَ بُعْدًا من الحقيقة..
أقلَّ ائتلاقاً من شعاعِ الشمس
سقيْتُه رحيقَ الكلمات..كيْ
يتمدّدَ فيه نسْغُ صدايَ...وَ
تطولُ أغْصانُ غيْمةٍ مغْروسةٍ فيَّ
جذورُها أمنيات..
ترتدي الدّمقْسَ وضحكاتِ الطفولة
في مكانٍ ما..من القصيدة..
دسَسْتُ عيْناً زبرْجديّةَ الرؤى..
و..مرايا لا تعَكسُ الوجوهَ المتجهّمةَ
و..حرقْتُ طريقَ العودةِ إلى
الاتجاه المعاكس
والضباب المشاكس كيْ..
تكشفَ الذاكرةُ أسرارها..
وتفكَّ شيفرةَ يومٍ مخبوءٍ بيْن شروخ المرايا
يرْشحُ رعْبًا من..
سقوطِ الأقنعةِ...وتشفّ فيه حكايا الأمس
ونبوءةُ ما هو آتٍ..
في ركنٍ ما..
في زمنٍ ما..
أقفُ عنْد عتبةِ الباب..أدقُّ
أدقُّ..أدقُّ
و"لمّا كلّ متْني"...ظهرتْ يدٌ
ليْستْ يدي..
تُلوّحُ لي :"أنِ اِرْحلْ...
ما فاتَ ..فاتَ..
فحلْمُك جليدٌ قطْبيٌّ يعْشقُ المستحيل.
( صدى الخوف ) للشاعرة السورية ميادة أحمد أبو عيش
ميادة أحمد أبو عيش . سوريا
( صدى الخوف)
بدأت العتمة اختراق
جواهر السنين
أيتها الجوهرة
غردي على أغصان
الفؤاد
بألحان تحنان المتيم
أروي العطاش
من حلاوة الحب
كالماء طعمه سكر
البحر يسعفني
هو مكاني الدائم
من تقلبات أمواجه
أسمع قصص العشاق
هل تسمعينني؟
انسي الغرور
ليبقى السر بين
شدة الظلمة
وحين تبحر أشرعتي
أتلقى حفنات من
بقايا الروح المتجمدة
التي رسمتها قبالة
جداول الشوق
وواصل أقصى
شرقاً...غرباً...
أبى نسيان امرأة
لم أعِ إلى أين
المسير...
ملهمتي
نديم أوركيد
الوتين يزداد ضجيجاً
ومقصلة القصيدة
تذوقت أنين الصمت
ها هو المطاف يعجز
أتسلق الصخور
وأنحت عشقي السرمدي
من ضبابية الوجع
وأرسم على الرمال
شتان بين ماضي
الذكريات
وعيون الغجرية التي
مزقت آتون الوجد
وبين الرحيل واليقين
ولى عهد الآهات
المقيمة على
حدود الخوف
قد نجيد البداية
للحكاية
علنا نستعيد هوية
الضياع..
طاب الحديث . الشاعرة السورية لميس الرحبي
لميس الرحبي. سوريا
( طاب الحديث )
منْ خَافقي طابَ الحديثُ مَقالا
في قربِكمْ قلبي يَحطُّ رِحالا
يا ليتَ شِعري منْ غرامٍ قدْ سَرى
فيهِ الهزيمُ ليقطعَ الأميالا
واللهِ إنَّ الحرفَ يبدو عاشِقًا
متمردًا في طبعهِ مَيّالا
يَدنو إلى قمرٍ هناكَ تملقًا
في قاسيونَ فهلْ أفاضَ جَمالا
سنخطُّ في التاريخِ نبضَ قلوبِنا
ونعودُ أجيالًا تضيءُ جبالا
نَطوي قوافينَا بصدقٍ جامحٍ
ياشامُ مهلًا كيْ تهيبَ جَلالا
إنّي ضَرعتُ إلى السماءِ مناجياً.
ياربُّ هيِّء للسلامِ ظِلالا
ارحمْ شآمي ليتَ شِعري إنّني
أدعوكَ يا ربي أُريدُ وصَالا
لا لستُ أنسى إنني أبدو هُنا
أطويْ الحروفَ لكيْ ترقَّ دلالا
ذاكَ الفراتُ يهيمُ في ليلِ الدّجى
عبثًا تَهادى يمنةً وشمالا
غرزتْ بصدري الأمنياتُ تعطفًا
والروحُ جاءتْ سحرهَا القتالا
ياموسمَ الأفراحِ هلاَّ صدفةً
منْ ماءِ طُهركِ غصةٌ تتوالى
يزهو على ذاكَ الرصيفِ عبيرُها
والياسمينُ بهِ ملأتُ سلالا
إني أقمتُ على الفراتِ مَدائني
كَيما أُحاكي الجسرَ والأطلالا
ولبستُ منْ ذاكَ الحريرِ عباءةً
ووضعتُ في رجلِ الهوى خِلخالا
ياربُّ بَددْ كلَّ عتمٍ حالكٍ.
كيْ يصبحَ النهرُ العظيمُ مِثالا
قدْ بتُّ أتلو في الصباحِ قصيدةً
والحرفُ يركعُ للإلهِ تَعالى
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
آخر ما نُشر في قطوف
كدمة بقلم الشيماء عبد المولى . الجزائر
″ كدمة ″ كلُّ الكدمَاتِ مُوجِعة وجعًا لا يُطاق يحاصرُ كلَّ قلبٍ مَريضٍ و كلَّ جفنٍ مُترَعٍ بلَيَالِي الانتظَار يطُولُ الوقتُ عَمداً تَلت...






